ابن أبي الحديد

15

شرح نهج البلاغة

من كل دين يخالف دين الاسلام ، فلا بد من البراءة ، لان بها يتم العمل ! ألم يسمع هذا القائل قول الشاعر : تود عدوى ثم تزعم إنني * صديقك إن الرأي عنك لعازب فمودة العدو خروج عن ولاية الولي ، وإذا بطلت المودة لم يبق إلا البراءة ، لأنه لا يجوز أن يكون الانسان في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى وعصاته بألا يودهم ولا يبرأ منهم باجماع المسلمين على نفى هذه الواسطة . واما قوله : ( لو جعل عوض اللعنة استغفر الله لكان خيرا له ) ، فإنه لو استغفر من غير أن يلعن أو يعتقد وجوب اللعن لما نفعه استغفاره ولا قبل منه ، لأنه يكون عاصيا لله تعالى ، مخالفا أمره في إمساكه عمن أوجب الله تعالى عليه البراءة منه ، وإظهار البراءة ، والمصر على بعض المعاصي لا تقبل توبته واستغفاره عن البعض الاخر ، وأما من يعيش عمره ولا يلعن إبليس ، فإن كان لا يعتقد وجوب لعنه فهو كافر ، وإن كان يعتقد وجوب لعنه ولا يلعنه فهو مخطئ ، على أن الفرق بينه وبين ترك لعنة رؤوس الضلال في هذه الأمة كمعاوية والمغيرة وأمثالهما ، إن أحدا من المسلمين لا يورث عنده الامساك عن لعن إبليس شبهة في أمر إبليس ، والامساك عن لعن هؤلاء وأضرابهم يثير شبهة عند كثير من المسلمين في أمرهم ، وتجنب ما يورث الشبهة في الدين واجب ، فلهذا لم يكن الامساك عن لعن إبليس نظيرا للإمساك عن أمر هؤلاء . قال : ثم يقال للمخالفين : أرأيتم لو قال قائل : قد غاب عنا أمر يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف ، فليس ينبغي ان نخوض في قصتهما ، ولا ان نلعنهما ونعاديهما ونبرأ منهما ، هل كان هذا إلا كقولكم : قد غاب عنا أمر معاوية والمغيرة بن